الغزالي

36

ميزان العمل

قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ، أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ . فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا ؟ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَسَيُنْغِضُونَ « 1 » إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ ، وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ؟ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً . يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ] ولم نلجأ إليه هربا من القول بإمكان إعادة المعدوم ، وهربا من تفادى مشكلة أن : [ المادة لا تفنى ] وأنها : [ لا تصير إلى عدم ، ولا توجد من عدم ] فإن ما كان مشكلا في نظر بعض الأقدمين ، قد أصبح غير مشكل في نظرنا ، وفي نظر العلم الحديث أيضا . أما في نظرنا ؛ فلأن المعلول الذي عول عليه من قال : [ المادة لا تفنى ، ولا توجد من عدم ولا تصير إلى عدم ] لا يصلح أن يكون مبدأ ، يعول عليه ؛ لأنه بنى على أساس واه ضعيف . لقد وجد الإنسان أنه غير قادر على إفناء المادة بالنار ، أو بالماء ، وليس أقوى من النار والماء فيما عرف الإنسان . فظن - وهو واهم فيما ظن - أن المادة تستعصى على الفناء . وهذا منطق يسخر من نفسه ، ويهزأ به سامعه ؛ فإنه إذا عجز الإنسان اليوم ، عن إفناء المادة ، فهل يلزم أن يعجز غدا ؟ وإذا لم يعرف الإنسان حتى اليوم وسائل أقوى من النار والماء ، فهل يلزم أن لا يعرف غدا ؟ لا . . . ليس ذلك بلازم ، فتطور الإنسان وتطور العلم ، شاهدان على أن إقفال باب الكشف الجديد أمام الإنسان ، وتوقع حصول معارف جديدة للإنسان ، جهل بطبيعة الوجود ، أو غرور بما تأدى إليه الإنسان من علم .

--> ( 1 ) قال في المختار : [ أنغض رأسه : حركه كالمتعجب من الشئ . ومنه قوله تعالى : « فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ ] .